السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
499
مفاتيح الأصول
بخبر الواحد فإنه ليس بقطعي وفي كلا الوجهين نظر وحينئذ لا يمكن دعوى الترجيح ومعه يجب الحكم بالتخيير لا التوقف لأن أحد الدّليلين دلّ على وجوب العمل والآخر على حرمته والحكم هنا التخيير ومعه يصحّ العمل بظنّ الشّهرة وهو المطلوب فتأمل على أنا نمنع من تحقق فرد للقياس يكون الظنّ الحاصل منه أقوى من ظن الشهرة أو مساويا له بل ظن الشّهرة أقوى مطلقا وحينئذ يبقى فحوى ما دلّ على حجيّة خبر الواحد سليمة عن المعارض الخامس الفحوى المشار إليها لا تنهض لإثبات حجيّة جميع أقسام الشهرة حتى ما كان الظن المستفاد منه أضعف من الظن المستفاد من ظواهر الكتاب والأخبار المتقدّم إليها الإشارة فالدّليل أخصّ من المدعى فلا يثبت به وفيه أنه إن ( لو ) سلَّمنا تحقق شهرة يكون ظنها أضعف من ظن ما ذكر فنقول شمول ذلك غير قادح بعد ظهور الاتفاق على عدم الفرق بين أقسام الشهرة في الحجية فتأمل ومنها ما تمسّك به في الذكرى فقال ألحق بعضهم المشهور بالمجمع عليه فهو ممنوع فإن أراد في الإجماع فهو ممنوع وإن أراد في الحجّية فقريب لقوة الظن في جانب الشّهرة انتهى وفيه نظر للمنع من كون الشهرة مفيدة للظنّ بالحكم الواقعي وللظن بوجود دليل معتبر عليه لما ذكره الشّهيد الثّاني في كتاب الرعاية الذي ألَّفه في دراية الحديث فقال وأمّا الخبر الضّعيف فذهب الأكثر إلى منع العمل به مطلقا للأمر بالتثبت عند إخبار الفاسق الموجب لردّه وأجازه آخرون وهم جماعة كثيرة منهم من ذكرناه مع اعتضاده بالشهرة رواية بأن يكثر تدوينها وروايتها بلفظ واحد أو ألفاظ متغايرة متقاربة المعنى أو أفتي بمضمونها في كتب الفقه لقوة الظن بصدق الرّاوي في جانب الشهرة وإن ضعف الطَّريق فإن الطريق الضّعيف قد يثبت الخبر مع اشتهار مضمونه كما يعلم مذهب الفرق الإسلامية كقول أبي حنيفة والشّافعي ومالك وأحمد بإخبار أهلها مع الحكم بضعفهم عندنا وإن لم يبلغوا حد التواتر وبهذا اعتذر للشيخ في عمله بخبر الضّعيف وهذه حجّة من عمل بالموثق أيضا بطريق أولى وفيه نظر ووجهه على وجه الإيجاز أنا نمنع من كون هذه الشهرة الَّتي ادعوها مؤثرة في خبر الضعيف فإن هذا إنما يتم لو كانت الشّهرة متحققة قبل زمن الشيخ والأمر ليس كذلك فإن من قبله من العلماء كانوا بين مانع من خبر الواحد مطلقا كالمرتضى والأكثر على ما نقله جماعة وبين جامع للأحاديث من غير التفات إلى تصحيح ما يصحّ ورد ما يرد وكان البحث عن الفتوى مجرّدة لغير الفريقين قليلا جدّا كما لا يخفى على من اطلع على حالهم فالعمل بمضمون الخبر الضّعيف قبل زمن الشيخ على وجه يجبر ضعفه ليس بمتحقق ولما عمل الشيخ بمضمونه في كتبه الفقهيّة جاء من بعده من الفقهاء واتبعه منهم عليها الأكثر تقليدا له إلا من شذّ منهم ولم يكن منهم من يسير الأحاديث ويتعب على الأدلَّة بنفسه سوى الشيخ المحقّق ابن إدريس وقد كان لا يجيز العمل بخبر الواحد مطلقا فجاء المتأخّرون بعد ذلك ووجدوا الشّيخ ومن تبعه قد عملوا بمضمون الخبر الضعيف لأمر ما رواه في ذلك لعلّ اللَّه تعالى يعذرهم فيه فحسبوا العمل به مشهورا وجعلوا هذه الشهرة جابرة لضعفه ولو تأمل المنصف وجدّ المتعب لوجد مرجع ذلك إلى الشيخ ومثل هذه الشهرة لا يكفي في جبر الخبر الضّعيف ومن هذا أيضا الفرق بينه وبين فتوى المخالفين بأخبار أصحابهم فإنهم كانوا منتشرين في أقطار الأرض من أوّل زمانهم ولم يزالوا في ازدياد وممن اطلع على أصل هذه القاعدة التي تبنيتها وتحققتها من غير تقليد الشيخ الفاضل المحقق سديد الدّين محمود الحمصي والسيّد رضي الدّين بن طاوس وجماعة قال السّيد في كتابه البهجة لثمرة المهجة أخبرني جدي الصالح ورام بن أبي فراس أن الحمصي حدثه أنه لم يبق للإماميّة مفت على التّحقيق بل كلَّهم حاك وقال السّيّد عقيبه والآن فقد ظهر لي أنّ الذي يفتي به ويجاب عنه على سبيل ما حفظ من كلام العلماء المتقدّمين انتهى وقد كشفت لك بذلك بعض الحال وبقي الباقي في الخيال وإنما ينتبه لهذا المقال من عرف الرجال بالحق وينكره من عرف الحق بالرّجال انتهى وقال ابنه في المعالم في ردّ دعوى الشهيد حصول الظَّن من الشّهرة الَّتي تحصل معها قوة الظَّنّ هي الحاصلة قبل زمن الشيخ لا الواقعة بعده وأكثر ما يوجد مشتهرا في كلام الأصحاب حدث بعد زمن الشّيخ كما نبه عليه والدي في كتاب الرّعاية الَّذي ألَّفه في دراية الحديث مبيّنا لوجهه وهو أنّ أكثر الفقهاء الَّذين نشئوا بعد الشّيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه وحسن ظنّهم به فلمّا جاء المتأخّرون وجدوا أحكاما مشهورة قد عمل بها الشيخ ومتابعوه فحسبوها شهرة بين العلماء وما دروا أن مرجعها إلى الشّيخ وأن الشّهرة إنّما حصلت من متابعته انتهى ثم لو سلَّمنا أنهم اعتمدوا فيما أفتوا به على الدّليل لكن لا نسلَّم أن كلَّما يعتقدونه دليلا دليل في الواقع واختلاف الأصحاب في الأدلة الشّرعية غير عزيز فإن منهم من يجوز العمل بالقياس مطلقا ومنهم من يفصل بين أقسامه ومنهم من يمنع من العمل بخبر الواحد مطلقا ومنهم من يفصل بين أقسامه ومنهم من يجوز حصول الإجماع في زمن الغيبة ومنهم من يمنعه ومنهم من يمنع من تخصيص الكتاب بخبر الواحد ومنهم من يجوزه ومنهم من يمنع من حجيّة الاستصحاب ومنهم من يجعله حجة ومنهم من يجعل الشهرة حجّة ومنهم من يمنعها ولا يكاد يوجد اتفاق جماعة في جميع المسائل الأصولية والأدلَّة الشرعيّة لا يقال يبعد اتفاق الأكثر على دليل لا يكون حجة مع ما علم من طريقتهم من الاختلاف في الأدلَّة الشّرعية لأنا نقول هذا حسن لو علم أن دليلهم في المسألة متحد وليس لكلّ واحد دليل مباين لدليل الآخر وأما إذا علم تعدد دليلهم إجمالا أو احتمل فلا إذ يجوز في المسألة الَّتي أفتوا بها أن يستند القائل بالقياس إليه والعامل